القيمة الدفترية للسهم هي مقياس مالي يوضح نصيب السهم الواحد من صافي أصول الشركة بعد خصم جميع الالتزامات، وهي تعكس القيمة الحقيقية المسجلة في الدفاتر المحاسبية وليس سعر التداول في السوق.
في هذا الموضوع، سنشرح ما هي القيمة الدفترية للسهم، وكيف يمكن حسابها بطريقة بسيطة من القوائم المالية، إضافة إلى توضيح الفرق بينها وبين القيمة السوقية التي تمثل السعر الذي يحدده العرض والطلب في السوق.
ما هي القيمة الدفترية للسهم (Book Value)؟
نفترض أن شركة ما قررت اليوم الإغلاق، وبيع كل ما تملكه من مكاتب، ومصانع، ومعدات، ومخزون بضائع، ثم أخذت هذه الأموال وسددت بها كل الديون والالتزامات المستحقة عليها للبنوك والموردين، المبلغ المتبقي بعد هذه العملية هو ما نسميه القيمة الدفترية.
إذاً، القيمة الدفترية تمثل "صافي حقوق المساهمين"، هي القيمة التاريخية للشركة كما هي مسجلة في دفاترها المحاسبية، وليست قيمتها بناءً على توقعات الناس في السوق، بالنسبة للمستثمر، تمثل هذه القيمة الحد الأدنى من الأمان، فهي تعبر عن قيمة الأصول الحقيقية التي تدعم السهم الذي تشتريه.
ملاحظة: القيمة الدفترية هي المعيار الأكثر تحفظاً وواقعية لتقييم الشركات، لأنها تعتمد على ما تملكه الشركة فعلياً اليوم، وليس ما تتوقع أن تكسبه في المستقبل.
لماذا يهتم المستثمرون بالقيمة الدفترية؟
لانها توفر عنصر "الأمان"، عندما تشتري سهماً بسعر قريب من قيمته الدفترية، فأنت نظرياً تدفع ثمن الأصول الحقيقية للشركة، ولا تدفع علاوة ضخمة مقابل الشهرة أو التوقعات التي قد لا تتحقق.
تستخدم القيمة الدفترية بشكل أساسي في الحالات التالية:
- تقييم البنوك والمؤسسات المالية: حيث تمثل أصولها (القروض والاستثمارات) قيماً دفترية دقيقة جداً وقابلة للتسييل.
- الشركات الصناعية الثقيلة: الشركات التي تمتلك مصانع وآلات ضخمة (مثل شركات البتروكيماويات والأسمنت) تعتمد قيمتها بشكل كبير على هذه الأصول الملموسة.
- اكتشاف الفقاعات السعرية: عندما يبتعد السعر السوقي كثيراً عن القيمة الدفترية دون مبرر قوي من الأرباح، قد يكون ذلك إشارة خطر.
كيفية حساب القيمة الدفترية للسهم | المعادلات والتطبيق
هي عملية حسابية تتكون من خطوتين، الأولى هي معرفة القيمة الدفترية الإجمالية للشركة، والثانية هي تقسيم هذا المبلغ على عدد الأسهم لمعرفة نصيب كل سهم.
الخطوة الأولى: حساب إجمالي القيمة الدفترية
المعادلة الأساسية بسيطة جداً وتعتمد على بندين رئيسيين في الميزانية العمومية للشركة:
القيمة الدفترية الإجمالية = إجمالي الأصول – إجمالي الخصوم (الالتزامات)
حيث تشمل الأصول كل ما تملكه الشركة (نقد، مخزون، عقارات، آلات)، وتشمل الخصوم كل ما عليها (قروض، ديون موردين، ضرائب مستحقة).
الخطوة الثانية: حساب القيمة الدفترية للسهم الواحد (BVPS)
بعد أن حصلنا على القيمة الإجمالية لحقوق المساهمين، نريد أن نعرف "حصّة" السهم الواحد من هذه القيمة، المعادلة تكون كالتالي:
القيمة الدفترية للسهم = (إجمالي حقوق المساهمين - الأسهم الممتازة) ÷ عدد الأسهم المتداولة
نقطة فنية: نقوم بخصم "الأسهم الممتازة" لأن أصحابها لهم الأولوية في الحصول على أموالهم عند التصفية، وبالتالي نحن نحسب ما يتبقى لحملة الأسهم العادية مثلي ومثلك.
مثال عملي تطبيقي
لتتضح الصورة بشكل كامل، دعنا نطبق ما تعلمناه على شركة افتراضية ولنسميها "شركة الإنشاءات العربية"، إليك البيانات المستخرجة من ميزانيتها السنوية:
- إجمالي الأصول: 500 مليون ريال.
- إجمالي الالتزامات (الديون): 200 مليون ريال.
- عدد الأسهم المصدرة: 50 مليون سهم.
الحساب يكون كالتالي:
- نحسب صافي حقوق المساهمين: 500 مليون - 200 مليون = 300 مليون ريال.
- نحسب القيمة الدفترية للسهم: 300 مليون ريال ÷ 50 مليون سهم = 6 ريالات للسهم الواحد.
هذا يعني أن القيمة الحقيقية "المحاسبية" لكل ورقة سهم تحملها هي 6 ريالات، إذا كان سعر السهم في الشاشة 7 ريالات، فهو قريب جداً من قيمته الدفترية، أما إذا كان سعره 60 ريالاً، فهذا يعني أن المستثمرين يدفعون 10 أضعاف قيمة الأصول، وهنا يجب أن تسأل: لماذا؟
الفرق بين القيمة الدفترية والقيمة السوقية
القيمة السوقية هي السعر الذي ترى الناس يبيعون ويشترون به السهم حالياً، وهي تتغير كل ثانية، أما القيمة الدفترية فهي قيمة "تاريخية" تتغير كل ربع سنة عند صدور القوائم المالية.
الجدول التالي يوضح الفروقات الجوهرية بين المفهومين بشكل مبسط:
| وجه المقارنة | القيمة الدفترية (Book Value) | القيمة السوقية (Market Value) |
|---|---|---|
| التعريف | قيمة أصول الشركة ناقصاً ديونها (صافي الثروة الدفترية). | سعر السهم الحالي مضروباً في عدد الأسهم (قيمة الشركة في نظر السوق). |
| على ماذا تعتمد؟ | تعتمد على الحقائق المحاسبية والتكلفة التاريخية للشراء. | تعتمد على العرض والطلب، التوقعات المستقبلية، والأخبار، وعواطف المستثمرين. |
| معدل التغير | بطيئة التغير (تتحدث ربع سنوياً). | سريعة جداً وتتذبذب لحظياً. |
| الهدف منها | معرفة القيمة الحقيقية للأصول الملموسة (ماذا تملك الشركة؟). | معرفة القيمة المتوقعة للشركة (كم تستحق الشركة مستقبلاً؟). |
| نظرتها للزمن | تنظر للماضي والحاضر. | تنظر للمستقبل والنمو المتوقع. |
مؤشر مضاعف القيمة الدفترية (P/B Ratio)
العلاقة بين القيمتين (الدفترية والسوقية) تنتج لنا واحداً من أهم مؤشرات التحليل المالي، وهو مكرر القيمة الدفترية، يحسب بقسمة سعر السهم في السوق على قيمته الدفترية.
كيف تقرأ هذا المؤشر؟
- أقل من 1: يعني أن السهم يباع في السوق بسعر "أرخص" من قيمة أصوله الحقيقية، قد تكون هذه "فرصة ذهبية" لشراء أصول بدولار مقابل 80 سنتاً، أو قد تكون إشارة لوجود مشاكل كارثية في الشركة تجعل السوق يهرب منها.
- يساوي 1: السعر السوقي عادل جداً ومتطابق مع قيمة الأصول.
- أكبر من 1 (مثلاً 3 أو 4): يعني أن المستثمرين متفائلون جداً ويدفعون أضعاف قيمة الأصول لأنهم يتوقعون أرباحاً ونمواً عالياً في المستقبل، أو لأن الشركة تمتلك أصولاً غير ملموسة قوية (مثل علامة تجارية ضخمة).
نصيحة: لا تنخدع بمكرر القيمة الدفترية المنخفض دائماً، أحياناً يكون السعر رخيصاً لسبب وجيه (مثل ديون خفية أو تقادم المخزون)، ابحث دائماً عن سبب الخصم قبل الشراء.
متى تكون القيمة الدفترية مضللة؟
على الرغم من أهميتها القصوى، إلا أن الاعتماد على القيمة الدفترية وحدها قد يقودك لقرارات خاطئة في قطاعات محددة، خاصة في عصرنا الحديث الذي يعتمد على التكنولوجيا والمعرفة.
1. شركات التكنولوجيا والبرمجيات
شركات مثل "جوجل" أو شركات التقنية في منطقتنا العربية، أصولها الحقيقية ليست مباني أو مصانع، بل هي "أكواد برمجية"، "براءات اختراع"، و"فريق عمل مبدع"، هذه الأصول لا تظهر غالباً بقيمتها الحقيقية في الدفاتر المحاسبية، لذلك، ستجد دائماً أن قيمتها السوقية أضعاف قيمتها الدفترية، وهذا طبيعي جداً في هذا القطاع.
2. شركات الخدمات والعلامات التجارية
الشركات التي تعتمد على علامة تجارية قوية (Brand) تكون قيمتها السوقية أعلى بكثير، قوة العلامة التجارية لا تسجل في الدفاتر كأصل ملموس، لكنها تولد مبيعات ضخمة، هنا تصبح القيمة الدفترية معياراً غير كافٍ للتقييم.
القيمة الدفترية الملموسة (Tangible Book Value)
لزيادة الدقة، يلجأ المحللون لاستخدام "القيمة الدفترية الملموسة"، في هذا الحساب، نقوم بحذف أي أصول غير ملموسة (مثل الاسم التجاري وبراءات الاختراع) من المعادلة.
لماذا؟ لأنه في حالة إفلاس الشركة، بيع "الاسم التجاري" قد يكون صعباً جداً أو بلا قيمة، بينما بيع العقارات والمعدات يضمن توفر "الكاش"، هذا المقياس هو الأكثر صرامة وتحفظاً لتقييم مدى أمان استثمارك.
كيف تستخدم هذا في محفظتك؟
القيمة الدفترية هي أداة الدفاع الأولى في استثمارك، استخدمها لتتأكد من أنك لا تدفع سعراً مبالغاً فيه مقابل "الهواء"، في الأسواق العربية، التي تتميز بوجود قطاعات بنكية وصناعية قوية، يظل هذا المؤشر فعّالاً للغاية.
وتذكر دائماً أن الاستثمار الناجح هو عملية دمج بين الفن والعلم، القيمة الدفترية هي العلم والأرقام الصلبة، بينما القيمة السوقية هي فن قراءة توقعات البشر، ابحث عن الشركات التي تنمو قيمتها الدفترية بمرور السنوات، فهذا دليل قاطع على أن الإدارة تراكم الأرباح وتزيد من ثروة المساهمين بدلاً من تبديدها.
تذكر: سعر السهم هو ما تدفعه، أما القيمة الدفترية فهي جزء كبير مما تحصل عليه فعلياً، اجعل هدفك دائماً شراء أصول عالية الجودة بسعر عادل، أو أصول جيدة بسعر مغرٍ.
