تمر الأوراق المالية مثل الأسهم والسندات بمراحل مختلفة قبل وأثناء تداولها في سوق المال، ولا تصل مباشرة إلى اليك عبر شاشة التداول، بل تبدأ مرحلة الإصدار ثم تنتقل إلى مرحلة التداول بين المستثمرين، وهنا يظهر الفرق بين السوق الأولي والسوق الثانوي.
يشرح هذا الموضوع الفرق بين السوق الأولي والسوق الثانوي في تداول الأوراق المالية بطريقة مبسطة، من حيث دور كل سوق، وكيف تنتقل الأموال، وطريقة تحديد الأسعار، مما يساعدك على التفرقة بين الاكتتاب في أسهم جديدة وشراء أسهم شركات قائمة، واتخاذ قرارات استثمارية أوضح وأكثر وعيًا.
ما هي دورة الورقة المالية؟
قبل أن نغوص في التفاصيل التقنية، دعنا نعتبر الورقة المالية (السهم أو السند) كمنتج يمر بمراحل تصنيع وتوزيع، لكي يصل السهم إلى محفظتك الاستثمارية، يجب أن يُصنع أولاً، ثم يتم تسعيره، ثم يُطرح للبيع، وأخيراً يتم تداوله بين الناس، هذه الرحلة تمر بمحطتين رئيسيتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى، محطة الإصدار (السوق الأولي)، ومحطة التداول (السوق الثانوي).
الفهم الصحيح لهذه الدورة يحميك من الخلط بين الاكتتاب في شركة جديدة وبين شراء أسهم شركة قائمة بالفعل، ويساعدك على تحديد المخاطر المرتبطة بكل نوع من أنواع الاستثمار.
الجزء الاول | السوق الأولي
السوق الأولي (Primary Market) هو المكان الذي يتم فيه خلق الأوراق المالية للمرة الأولى، يمكننا تشبيهه بـ "المصنع" أو "وكالة السيارات" التي تبيع السيارات الجديدة "الزيرو"، في هذا السوق، تكون العلاقة مباشرة بين "المصدر" (الشركة أو الحكومة) و"المستثمر"، عندما تشتري سهماً في السوق الأولي، فإنك تشتري السهم مباشرة من الشركة، والأموال التي تدفعها تذهب مباشرة إلى خزينة هذه الشركة.
لماذا تلجأ الشركات للسوق الأولي؟
الهدف الرئيسي للسوق الأولي هو "زيادة رأس المال"، الشركات الناشئة أو حتى الكبيرة تحتاج إلى سيولة ضخمة للتوسع، وبناء مصانع جديدة، أو سداد ديون، أو تطوير منتجات مبتكرة، بدلاً من الاقتراض من البنوك ودفع فوائد عالية، تلجأ هذه الشركات لبيع جزء من ملكيتها للجمهور.
- تمويل التوسعات: الحصول على كاش فوري لتنفيذ مشاريع استراتيجية.
- سداد الالتزامات: تحسين الميزانية العمومية وسداد الديون المتراكمة.
- الخروج الجزئي: السماح للمؤسسين الأوائل ببيع جزء من حصصهم وجني الأرباح.
- الظهور والسمعة: الإدراج في البورصة يمنح الشركة مصداقية ووجاهة تجارية.
أنواع الطروحات في السوق الأولي
لا تتم عملية البيع في السوق الأولي بطريقة واحدة، بل هناك عدة أشكال قانونية وتنظيمية، أهمها:
- الطرح العام الأولي (IPO): وهو الحدث الأبرز، حيث تتحول الشركة من خاصة إلى عامة وتطرح أسهمها لجمهور المستثمرين لأول مرة.
- الطرح الخاص (Private Placement): بيع الأوراق المالية لمجموعة مختارة من المستثمرين الكبار (مثل الصناديق والمؤسسات) دون طرحها للجمهور العام.
- حقوق الأولوية (Rights Issue): عندما ترغب شركة مدرجة بالفعل في زيادة رأس مالها، فإنها تطرح أسهماً جديدة تمنح فيها الأولوية للمساهمين القدامى للاكتتاب بها بسعر مخفض غالباً.
معلومة: في السوق الأولي، سعر السهم لا يتحدد بناءً على العرض والطلب اللحظي كما في الشاشة، بل يتم تحديده مسبقاً من قبل الشركة ومديري الاكتتاب (بنوك الاستثمار) بناءً على تقييم عادل لأصول الشركة وتوقعات أرباحها المستقبلية.
الجزء الثاني | السوق الثانوي
بعد انتهاء عملية الاكتتاب في السوق الأولي، وتخصيص الأسهم للمستثمرين، تنتقل هذه الأسهم إلى المرحلة التالية والأكثر استدامة، السوق الثانوي (Secondary Market)، هذا هو السوق الذي يعرفه الجميع، وهو ما نراه في شاشات التداول وأخبار البورصة يومياً.
في السوق الثانوي، الشركة المصدرة للسهم لم تعد طرفاً في المعادلة، التداول هنا يحدث بين "مستثمر" و"مستثمر آخر"، إذا قررت بيع سهم "أرامكو" أو "البنك التجاري الدولي" اليوم، فإنك لا تبيعه للشركة، بل تبيعه لشخص آخر يرغب في الشراء، والشركة لا تحصل على أي مليم من هذه الصفقة؛ الأموال تنتقل من جيب المشتري إلى جيب البائع فقط.
أهمية السوق الثانوي للاقتصاد والمستثمرين
قد تتساءل: إذا كانت الشركة لا تستفيد مالياً من تداولات السوق الثانوي، فما فائدته؟ الإجابة تكمن في كلمة واحدة، "السيولة".
- توفير السيولة (Liquidity): لولا وجود سوق ثانوي يضمن لك القدرة على بيع أسهمك وتحويلها إلى "كاش" في أي وقت، لما خاطر أحد بوضع أمواله في السوق الأولي.
- اكتشاف السعر العادل (Price Discovery): السوق الثانوي هو مقياس حرارة دقيق ومستمر، تفاعل ملايين البائعين والمشترين يحدد القيمة الحقيقية للشركة بناءً على أدائها وأخبارها والظروف الاقتصادية.
- مؤشر للاقتصاد: تعتبر حركة السوق الثانوي (مثل مؤشر تاسي أو إيجي إكس 30) مرآة تعكس صحة الاقتصاد وتوقعات الناس للمستقبل.
مكونات السوق الثانوي
ينقسم السوق الثانوي عادة إلى نوعين رئيسيين من حيث التنظيم والهيكلة:
| النوع | الوصف | مثال |
|---|---|---|
| الأسواق المنظمة (Exchanges) | هي البورصات الرسمية حيث يتم التداول في مكان مركزي (فعلي أو إلكتروني) تحكمه قوانين صارمة وشفافية عالية. | السوق المالية السعودية (تداول)، بورصة نيويورك (NYSE)، البورصة المصرية. |
| الأسواق الموازية (OTC / Parallel) | أسواق أقل تنظيماً مخصصة للشركات الصغيرة أو التي لا تستوفي شروط الإدراج الصارمة، وتكون المخاطرة فيها أعلى. | سوق "نمو" في السعودية، سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة. |
الجزء الثالث | مقارنة بين السوق الأولي والثانوي
الآن، وبعد أن فهمنا تعريف كل سوق، دعنا نضع النقاط على الحروف من خلال مقارنة دقيقة توضح الفروقات الفنية والعملية بينهما، هذا الجدول سيلخص لك جوهر الموضوع.
| وجه المقارنة | السوق الأولي (Primary Market) | السوق الثانوي (Secondary Market) |
|---|---|---|
| المفهوم البسيط | سوق "الجديد" (الإصدار الأول) | سوق "المستعمل" (إعادة البيع) |
| الغرض الأساسي | تمويل الشركات وتكوين رأس المال | توفير السيولة وتداول الملكية |
| المستفيد من الأموال | الشركة المصدرة | المستثمر البائع |
| أطراف التعامل | الشركة ↔ المستثمر | المستثمر ↔ المستثمر |
| تحديد السعر | سعر ثابت ومحدد مسبقاً (أو عبر بناء سجل الأوامر) | سعر متغير لحظياً بناءً على العرض والطلب |
| تكرار العملية | تحدث مرة واحدة للورقة المالية (عند طرحها) | تحدث ملايين المرات طوال عمر الورقة المالية |
| الوسطاء | بنوك الاستثمار (متعهدو التغطية) | شركات الوساطة المالية (البروكر) |
| حجم الورقة المالية | يزيد عدد الأسهم المتاحة في السوق | لا يتغير العدد، بل تنتقل ملكيتها فقط |
آلية تحديد الأسعار | كيف تختلف بين السوقين؟
أحد أهم الفروق التي يجب أن يدركها المتداول هو كيفية وضع السعر، في السوق الثانوي، أنت ترى السعر يتغير كل ثانية، خبر إيجابي يرفع السهم، وخبر سلبي يهبط به، أنت جزء من منظومة ديمقراطية تسمى "قوى السوق".
أما في السوق الأولي، فالأمر مختلف تماماً، قديماً، كان يتم تحديد "سعر ثابت" (Fixed Price) بناءً على تقييم مالي بحت، أما حديثاً، وفي معظم الأسواق العربية المتطورة، يتم استخدام آلية تسمى "بناء سجل الأوامر" (Book Building).
كيف يعمل بناء سجل الأوامر في السوق الأولي؟
بدلاً من فرض سعر واحد، تقوم الشركة بوضع "نطاق سعري" (مثلاً: السهم بين 50 و 60 ريال)، ثم تطلب من المؤسسات المالية تقديم عروضها (كم يريدون شراءه وبأي سعر)، بناءً على هذه العروض، يتم تحديد السعر النهائي الذي يضمن تغطية الاكتتاب بالكامل، هذه الآلية تضمن عدالة أكبر وتقليص الفجوة بين سعر الاكتتاب وسعر التداول لاحقاً.
دور الوسطاء وصناع السوق
لا يمكن الحديث عن السوق الثانوي دون التطرق للجنود المجهولين الذين يسهلون العمليات، الوسطاء وصناع السوق.
شركات الوساطة (Brokers)
في السوق الثانوي، لا يمكنك الذهاب للبورصة بنفسك وشراء الأسهم، يجب أن تمر عبر وسيط مرخص، الوسيط يوفر لك منصة التداول، وينفذ أوامرك، ويحفظ أسهمك وأموالك، مقابل عمولة محددة، التطور التقني جعل هؤلاء الوسطاء يوفرون تطبيقات ذكية تمكنك من التداول وأنت في منزلك.
صانع السوق (Market Maker)
هل تساءلت يوماً، ماذا لو أردت بيع سهم ولم أجد مشترياً؟ هنا يأتي دور "صانع السوق"، هو مؤسسة مالية تلتزم بتوفير طلبات شراء وبيع مستمرة لسهم معين لضمان وجود سيولة دائمة، وجود صانع السوق في السوق الثانوي يقلل من تذبذب الأسعار الحاد ويمنح المستثمرين ثقة أكبر.
ملاحظة: في الأسواق الناشئة، قد تلاحظ أحياناً غياب الطلبات على سهم معين (ما يسمى "تصفير الطلبات")، هذا يحدث غالباً في الأسهم التي لا يوجد عليها صانع سوق نشط (مستثمر)، مما يجعل الاستثمار فيها عالي المخاطرة بسبب صعوبة الخروج (تسييل المحفظة).
مخاطر الاستثمار | أيهما أخطر؟
كلا السوقين يحملان في طياتهما فرصاً للربح ومخاطر للخسارة، لكن طبيعة المخاطر تختلف جذرياً.
مخاطر السوق الأولي
- مخاطر التقييم: قد يتم طرح السهم بسعر مبالغ فيه (علاوة إصدار ضخمة)، مما يؤدي لانخفاض سعره بمجرد بدء التداول عليه في السوق الثانوي.
- مخاطر التخصيص: في الاكتتابات الناجحة جداً، قد تطلب 1000 سهم، ولكن بسبب كثرة المكتتبين، قد لا تحصل إلا على 10 أسهم فقط، مما يجمد سيولتك لفترة دون عائد مجزٍ.
- غياب التاريخ: الشركة جديدة في السوق، ولا يوجد لها سجل تداول تاريخي يمكنك تحليله فنياً.
مخاطر السوق الثانوي
- التقلبات السعرية (Volatility): الأسعار تتأثر بكل شيء، السياسة، أسعار النفط، الإشاعات، وحتى نفسية المتداولين، يمكن للسهم أن يفقد نسبة كبيرة من قيمته في يوم واحد.
- التلاعب والمضاربة: بعض الأسهم (خاصة الصغيرة) قد تكون عرضة لتلاعبات من قبل "هوامير" السوق لرفع السعر وتصريفه على الصغار.
- الانزلاق السعري: في أوقات الإضطرابات، قد تبيع بسعر أقل بكثير مما كنت تخطط له بسبب سرعة هبوط السوق.
كيف يؤثر أحدهما على الآخر؟
السوق الأولي والسوق الثانوي ليسا جزيرتين معزولتين، بل هما رئتان لجسد واحد، صحة أحدهما تعتمد كلياً على الآخر.
- السوق الثانوي القوي يشجع الاكتتابات: عندما تكون الأسعار في السوق الثانوي مرتفعة والمؤشرات خضراء (سوق ثور)، تتشجع الشركات الخاصة لطرح أسهمها للاكتتاب للحصول على تقييمات عالية.
- السوق الأولي النشط يعمق السوق الثانوي: كثرة الاكتتابات تضخ دماءً جديدة في البورصة، وتزيد من عمق السوق وتنوع القطاعات، مما يجذب مستثمرين جدداً وسيولة إضافية للسوق الثانوي.
- السعر المرجعي: أداء السهم في السوق الثانوي بعد الإدراج يصبح هو المعيار لتقييم الشركة مستقبلاً إذا أرادت زيادة رأس المال مرة أخرى.
نصائح للمتداول العربي
بناءً على خبرة سنوات في متابعة الأسواق العربية (السعودي، المصري، الإماراتي)، إليك هذه الخلاصة للتعامل مع السوقين:
عند التعامل مع السوق الأولي:
لا تكتتب في كل شركة تُطرح لمجرد أنها "اكتتاب"، اقرأ نشرة الإصدار بعناية، وركز على "مكرر الربحية" عند الطرح ومقارنته بمنافسيها في السوق الثانوي، إذا كان سعر الطرح مبالغاً فيه، فالانتظار للشراء من السوق الثانوي لاحقاً قد يكون قراراً أحكم.
عند التعامل مع السوق الثانوي:
السوق الثانوي يحتاج إلى أدوات مختلفة، التحليل الفني لمعرفة توقيت الدخول والخروج، والتحليل الأساسي لمعرفة قوة الشركة المالية، لا تضع كل شئ في سلة واحدة، ونوّع استثماراتك بين قطاعات مختلفة لتقليل مخاطر التقلبات اليومية، وتذكر دائماً أن "السيولة" هي الملك في هذا السوق؛ راقب أحجام التداول فهي أصدق مؤشر للاتجاه.
ويمكننا القول إن السوق الأولي هو بوابة الدخول لطريق التداول والاستثمار، بينما السوق الثانوي هو الطريق السريع الذي تسير عليه المركبات، الأول يبني ويوفر رأس المال، والثاني يضمن الاستمرارية والسيولة والتقييم العادل.
ويجب عليك متابعة كلا السوقين بعين واعيه، الاكتتابات الجديدة قد توفر فرص نمو هائلة إذا أُحسن اختيارها، والتداول في السوق الثانوي يوفر لك المرونة والقدرة على اقتناص الفرص في الشركات القائمة، النجاح في عالم المال لا يعتمد على الحظ، بل على فهم قواعد اللعبة، والفرق بين السوق الأولي والثانوي هو القاعدة رقم واحد في هذا الدستور.
