محتوي الموضوع

+

إقرا ايضا

كيف تستخدم العلاقة بين أسعار الفائدة والسندات لإدارة المخاطر؟

تُعد العلاقة بين أسعار الفائدة والسندات من أهم القواعد الأساسية في عالم الاستثمار، لأنها تؤثر مباشرة على قيمة أدوات الدخل الثابت وعوائدها، فكل قرار تتخذه البنوك المركزية برفع أو خفض الفائدة ينعكس فورًا على سوق السندات، سواء الحكومية أو الخاصة(الشركات).

في هذا الموضوع، سنشرح ببساطة ووضوح كيف تعمل هذه العلاقة العكسية، ولماذا يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة عادةً إلى انخفاض أسعار السندات، والعكس صحيح، الهدف هو أن تمتلك فهمًا عمليًا يمكّنك من قراءة السوق واتخاذ قرارات استثمارية أذكى، دون الدخول في تعقيدات فنية غير ضرورية.

كيف تستخدم العلاقة بين أسعار الفائدة والسندات لإدارة المخاطر؟

مفهوم السندات وأسعار الفائدة

قبل أن نغوص في عمق العلاقة بينهما، دعنا نتفق على التعريفات ببساطة، السند (أو الصك في التمويل الإسلامي) هو ببساطة "ورقة دين"، عندما تشتري سندًا حكوميًا أو صكًا، فأنت في الحقيقة تقرض الحكومة أموالك لفترة محددة، ومقابل هذا القرض، تتعهد الحكومة برد المبلغ الأصلي لك في نهاية المدة، بالإضافة إلى دفع "إيجار" أو فائدة دورية على أموالك تسمى "الكوبون".

أما سعر الفائدة، فهو "تكلفة المال"، هو السعر الذي يحدده البنك المركزي (مثل الفيدرالي الأمريكي أو البنك المركزي السعودي "ساما" أو المركزي المصري) للتحكم في التضخم والنمو الاقتصادي، هذا السعر هو المعيار الذي تقاس عليه جاذبية أي استثمار آخر في السوق.

لماذا تعتبر العلاقة بين أسعار الفائدة والسندات عكسية؟

تخيل سوق السندات كالميزان، على أحد الطرفين يجلس "سعر السند"، وعلى الطرف الآخر تجلس "أسعار الفائدة السوقية"، القاعدة الفيزيائية لهذا الميزان، عندما يرتفع أحدهما، يجب أن ينخفض الآخر حتمًا، ولكن لماذا؟

دعنا نضرب مثالًا رقميًا واقعيًا لنوضح الصورة:

  • لنفترض أنك اشتريت سندًا بقيمة اسمية 1000 ريال، يعطيك عائدًا سنويًا (كوبون) قدره 5%، هذا يعني أنك ستحصل على 50 ريالًا سنويًا مضمونة.
  • بعد عام، قرر البنك المركزي رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، نتيجة لذلك، تم إصدار سندات جديدة في السوق تعطي عائدًا قدره 7% (أي 70 ريالًا سنويًا لنفس الـ 1000 ريال).
  • الآن، إذا قررت بيع سندك القديم (الذي يدر 50 ريالًا) في السوق الثانوي، هل سيشتريه أحد منك بـ 1000 ريال؟ بالطبع لا، لماذا يدفع أحدهم 1000 ريال ليحصل على 50 ريالًا، بينما يمكنه دفع نفس المبلغ في سند جديد والحصول على 70 ريالًا؟
  • الحل الوحيد لتتمكن من بيع سندك هو "عمل تخفيض" (Discount) على سعره، يجب أن تبيعه بسعر أقل من 1000 ريال (لنقل مثلاً 950 ريالًا) بحيث يصبح العائد الفعلي للمشتري الجديد مقاربًا للـ 7% السائدة في السوق.
"القاعدة: السندات القديمة ذات العائد المنخفض تصبح أقل جاذبية عند ارتفاع الفائدة، مما يجبر بائعيها على خفض أسعارها لجذب المشترين، والعكس صحيح تمامًا عند انخفاض الفائدة."

العوامل المؤثرة في تحديد أسعار السندات

لا تتحرك أسعار الفائدة والسندات في فراغ، بل هناك محركات رئيسية تضغط عليها، فهم هذه العوامل يجعلك تسبق السوق بخطوة.

العامل المؤثر كيف يؤثر على السندات؟ مثال واقعي
سياسات البنوك المركزية التأثير المباشر والأقوى، رفع الفائدة يضرب أسعار السندات الحالية فورًا. قرارات الفيدرالي في 2022-2023 التي أدت لخسائر في محافظ السندات العالمية.
معدلات التضخم التضخم هو العدو الأول للسندات لأنه يأكل القوة الشرائية للعائد الثابت. ارتفاع التضخم يدفع المستثمرين لطلب عوائد أعلى، مما يخفض أسعار السندات القائمة.
التصنيف الائتماني كلما زادت مخاطر عدم السداد للجهة المصدرة، انخفض سعر السند وارتفع العائد المطلوب. مقارنة العائد على سندات الخزانة الأمريكية (مخاطر صفرية) بسندات الشركات الناشئة.
مدة الاستحقاق (Maturity) السندات طويلة الأجل أكثر حساسية لتغيرات الفائدة من السندات القصيرة. سند مدته 30 سنة سيتذبذب سعره بعنف مقارنة بسند مدته سنتين عند تغير الفائدة بـ 1%.

المدة | Duration والتحدب | Convexity

للانتقال من مستوى الهواة إلى المحترفين، يجب أن تعرف أن العلاقة ليست خطية تمامًا، هنا يأتي دور مصطلحين فنيين هما سر إدارة المخاطر في المحافظ الكبرى.

1. المدة | Duration) | مقياس الحساسية

المدة ليست مجرد وقت انتهاء السند، بل هي رقم يخبرك، "إذا تحركت أسعار الفائدة بنسبة 1%، فكم سيتحرك سعر سندي؟".

إذا كان لديك سند بمدة (Duration) تساوي 5 سنوات، وارتفعت الفائدة بنسبة 1%، فإن سعر السند سينخفض تقريبًا بنسبة 5%، هذا يفسر لماذا كانت السندات طويلة الأجل هي الأكثر تضررًا في دورة التشديد النقدي الأخيرة، المستثمر الذكي يقلل "المدة" في محفظته عندما يتوقع ارتفاع الفائدة، ويزيدها عندما يتوقع انخفاض الفائدة لتحقيق مكاسب رأسمالية.

2. التحدب | Convexity | حزام الأمان

بينما تفترض "المدة" أن العلاقة خط مستقيم، يأتي "التحدب" ليصحح هذا الافتراض، التحدب هو مقياس لانحناء العلاقة بين السعر والعائد، السندات ذات التحدب الإيجابي العالي (Positive Convexity) هي المفضلة، لأن أسعارها ترتفع بوتيرة أسرع عند انخفاض الفائدة، وتنخفض بوتيرة أبطأ عند ارتفاع الفائدة، إنها توفر نوع من الامان مثل الوسادة الهوائية ضد الصدمات.

السوق السعودي الصكوك للأفراد | منتج صح

شهدت المملكة العربية السعودية تحولًا نوعيًا في سوق الدين المحلي، حيث تم فتح الباب للمواطنين للمشاركة في أدوات الدين الحكومية بشكل مبسط وآمن عبر منتج "صح".

أرقام وحقائق من إصدارات 2025

مع بداية عام 2025، واصل المركز الوطني لإدارة الدين (NDMC) طرح جولات "صح"، في جولة شهر يناير 2025، بلغ العائد المخصص 4.95% هذا العائد يعتبر تنافسيًا جدًا مقارنة بالودائع البنكية التقليدية، خاصة وأنه يتميز بكونه:

  • مدعوم حكوميًا: مخاطر ائتمانية شبه معدومة.
  • متوافق مع الشريعة: تم تحديث الهيكلية مؤخرًا لتكون بصيغة "الإجارة"، مما يعزز الثقة الشرعية.
  • خالي من الرسوم: لا توجد رسوم اشتراك أو استرداد عند التعامل عبر التطبيقات البنكية المعتمدة.

كيفية الاستفادة من العلاقة العكسية هنا؟

بما أن صكوك "صح" تطرح بعائد متغير شهريًا بناءً على ظروف السوق، فإن المستثمر الذكي يراقب السايبور (SAIBOR)، إذا كانت التوقعات تشير لخفض الفائدة لاحقًا، فإن "قفل" الأموال في صكوك أو ودائع طويلة الأجل الآن قد يكون أفضل من الانتظار، لأن العوائد في الإصدارات القادمة قد تنخفض.

السوق المصري أذون الخزانة والفرصة الذهبية

على الجانب الآخر، يقدم السوق المصري نموذجًا مختلفًا يعتمد على العوائد المرتفعة جدًا (High Yield) في بيئة تضخمية.

واقع أذون الخزانة في 2025

تجاوزت أسعار الفائدة في مصر مستويات قياسية، حيث تراوحت عوائد أذون الخزانة في الطروحات الأولية لعام 2024 وبداية 2025 ما بين 25% إلى 30% قبل الضرائب.

لكن، انتبه للمعادلة الضريبية التي يغفل عنها الكثيرون:

البند الشرح مثال تقريبي (لمبلغ 100 ألف جنيه)
العائد الاسمي ما يتم الإعلان عنه في العطاء (مثلاً 27%) ربح نظري: 27,000 جنيه
الضريبة 20% ضريبة تخصم من المنبع على الأرباح فقط الخصم: 27,000 × 20% = 5,400 جنيه
صافي العائد ما يدخل جيبك فعليًا (العائد - الضريبة) الصافي: 21,600 جنيه (عائد فعلي 21.6%)

ملاحظة هامة: مع توقعات بنوك الاستثمار وبدء تراجع التضخم تدريجيًا، قد يبدأ البنك المركزي المصري في خفض الفائدة خلال 2026، هذا يعني أن شراء أذون الخزانة الآن (أو السندات طويلة الأجل إن وجدت) يعتبر فرصة لـ "تجميد" هذا العائد المرتفع قبل أن يهبط، استخدام تطبيقات التكنولوجيا المالية مثل "ثندر" (Thndr) سهل الوصول لهذه الأدوات عبر صناديق الدخل الثابت التي تستثمر في هذه الأذون.

استراتيجيات الاستثمار في بيئة الفائدة المتغيرة

بناءً على فهمنا لـ أسعار الفائدة والسندات، كيف تبني محفظتك الآن؟ إليك 3 استراتيجيات احترافية:

1. استراتيجية السلم | Bond Laddering

هذه هي الاستراتيجية الدفاعية الأفضل، تقوم بتقسيم رأس مالك على سندات بآجال استحقاق مختلفة (سنة، سنتين، 3 سنوات، 4 سنوات، 5 سنوات).

  • إذا ارتفعت الفائدة: ستكون سعيدًا لأن جزءًا من أموالك سيتحرر قريبًا (من السند الذي يستحق بعد سنة) لتعيد استثماره في الفائدة الجديدة المرتفعة.
  • إذا انخفضت الفائدة: ستكون سعيدًا أيضًا لأن لديك سندات طويلة الأجل في محفظتك لا تزال تدر عليك العائد القديم المرتفع.

2. استراتيجية الدمبل | Barbell Strategy

مثل ثقل الحديد في "الجيم"، تضع أموالك في الطرفين فقط:

  • نصف المحفظة في سندات قصيرة جدًا (لتوفير السيولة وتقليل المخاطر).
  • نصف المحفظة في سندات طويلة جدًا (للحصول على أعلى كوبون ممكن).
  • تتجنب السندات متوسطة الأجل تمامًا، هذه الاستراتيجية تتطلب متابعة نشطة للسوق.

3. استراتيجية الرصاصة | Bullet Strategy

إذا كان لديك هدف مالي محدد (مثل زواج الأبناء بعد 5 سنوات)، فإنك تشتري سندات تستحق جميعها في ذلك التاريخ المحدد بالضبط، بغض النظر عن تقلبات السوق الحالية، أنت هنا تحيّد مخاطر السعر لأنك ستحتفظ بالسند حتى النهاية وتسترد قيمته الاسمية (طالما لم يفلس المصدر).

المخاطر التي يجب أن تحذر منها

رغم أن السندات تعتبر "ملاذًا آمنًا"، إلا أن البحر لا يخلو من الأمواج.

أولاً: مخاطر التضخم، إذا كان عائد السند 5% والتضخم 7%، فأنت تخسر 2% من قوتك الشرائية سنويًا، حتى لو كنت تربح مالياً، دائمًا قارن العائد بمعدل التضخم المتوقع.

ثانياً: مخاطر إعادة الاستثمار، هذا هو الكابوس الذي يواجهه المستثمرون عند انخفاض الفائدة، عندما ينتهي أجل سندك الذي كان يدر 15%، وتجد أن السوق الآن يعطي 5% فقط، ستضطر لإعادة استثمار أموالك بعائد أقل بكثير، مما يقلل من دخلك الشهري.

ثالثاً: مخاطر السيولة، في بعض الأسواق العربية، قد ترغب في بيع السند قبل موعده لحاجتك للكاش، لكنك قد لا تجد مشترياً جاهزاً بسعر عادل، فتضطر للبيع بخصم كبير، السندات الحكومية عادة ما تكون الأعلى سيولة، بينما صكوك الشركات قد تعاني من ضعف التداول.

والعلاقة بين أسعار الفائدة والسندات هي المحرك الرئيسي لأسواق المال، نحن نعيش في لحظة تاريخية قد تكون "ذروة الفائدة" في هذه الدورة الاقتصادية، التاريخ يعلمنا أن الشراء في قمم الفائدة (حيث تكون أسعار السندات في القاع) هو الاستراتيجية التي صنعت ثروات مستثمري الدخل الثابت.

سواء اخترت الأمان الحكومي عبر "صح" في السعودية، أو العائد المرتفع عبر أذون الخزانة في مصر، تذكر أن المفتاح هو التنويع وعدم الانجراف وراء العائد الرقمي فقط دون حساب العائد الحقيقي بعد التضخم والضرائب، ابدأ صغيراً، جرب استراتيجية السلم، وراقبت قرارات البنوك المركزية، ففي طيات سطور بياناتها تكمن فرصتك القادمة.

نصيحة: لا تحاول توقيت السوق بدقة متناهية، فهذا مستحيل حتى على المحترفين، بدلاً من ذلك، ركز على "الوقت في السوق" (Time in the market) من خلال الاستثمار المنتظم والمتواصل.
مشاركة
  • فيس بوك
  • بنترست
  • منصة إكس
  • واتس اب
  • لينكدإن
  • تمبلر
  • تلجرام
  • بريد إلكتروني
  • نسخ الرابط