في سوق الأسهم يمكن ان تسمع بعض الارقام مثل هذا السهم مكرره 10، وذاك مكرره 30، لكن السؤال الأهم: ماذا يعني هذا الرقم فعليًا؟ وهل يدل فعلًا على أن السهم غالي أم رخيص؟ هنا يأتي دور مكرر الربحية (P/E Ratio) كأبسط وأشهر أداة يستخدمها المستثمرون لربط سعر السهم بأرباحه.
وهذا الموضوع يقدّم شرحًا مبسطًا وواضحًا لمكرر الربحية، بعيدًا عن التعقيد، ويبيّن كيف تقرأ هذا المؤشر بشكل صحيح، وما الفرق بين المكرر المنخفض والمكرر المرتفع، ومتى يكون كلٌ منهما إشارة إيجابية أو علامة تحذير، بنهاية القراءة، ستستطيع الاجابة بنفسك علي هذا السؤال: كيف تعرف إذا كان السهم غاليًا أم رخيصًا؟
ما هو مكرر الربحية (P/E Ratio)؟
مكرر الربحية، أو ما يعرف أحياناً بـ "مضاعف الربحية"، هو الأداة الأولى التي يلجأ إليها المستثمرون لتقييم جاذبية سعر السهم ببساطة شديدة، هو رقم يخبرك بالمبلغ الذي ستدفعه مقابل كل ريال أو جنيه أو دولار واحد تحققه الشركة من الأرباح.
تخيل أنك تريد شراء مشروع صغير (مخبز مثلاً) صاحب المخبز يطلب منك مليون ريال ثمناً للمشروع، ويخبرك أن المخبز يحقق صافي ربح سنوي قدره 100 ألف ريال، في هذه الحالة، أنت تدفع 10 أضعاف الأرباح السنوية لشراء المشروع هذا الـ "10" هو مكرر الربحية.
بمعنى آخر، مكرر الربحية يجيب على سؤال جوهري: كم سنة أحتاج لكي أسترد رأس مالي الذي استثمرته في هذا السهم إذا بقيت أرباح الشركة ثابتة؟
كيفية حساب مكرر الربحية
المعادلة الحسابية لمكرر الربحية بسيطة جداً ومباشرة، وتتكون من شقين أساسيين:
- سعر السهم السوقي: وهو السعر الحالي الذي يتداول به السهم في الشاشة.
- ربحية السهم (EPS): وهي حصة السهم الواحد من صافي أرباح الشركة في آخر سنة (أو المتوقعة).
المعادلة هي:
مكرر الربحية (P/E) = سعر السهم السوقي ÷ ربحية السهم الواحد (EPS)
مثال عملي للتوضيح: لنفتراض أن لدينا "شركة المستقبل" تتداول في السوق السعودي بالمواصفات التالية:
- سعر السهم الحالي: 50 ريال.
- صافي أرباح الشركة السنوي: 100 مليون ريال.
- عدد أسهم الشركة: 20 مليون سهم.
أولاً، نحسب ربحية السهم الواحد (100 مليون ÷ 20 مليون سهم = 5 ريال للسهم)، ثانياً، نحسب المكرر (50 ريال سعر السهم ÷ 5 ريال ربح = 10). إذن، مكرر الربحية هو 10 مرات.
أنواع مكرر الربحية
عندما تقرأ مكرر ربحية لأي سهم في التطبيقات المالية، يجب أن تكون حذراً للغاية وتسأل نفسك: أي نوع من المكررات هذا؟ فهناك نوعان رئيسيان يختلفان جذرياً في دلالتهما، والخلط بينهما قد يؤدي لقرارات استثمارية خاطئة.
1. مكرر الربحية التشغيلي أو التاريخي (Trailing P/E)
هذا هو النوع الأكثر شيوعاً ودقة من حيث البيانات، حيث يعتمد على الأرباح الفعلية التي حققتها الشركة في آخر 12 شهراً (أربعة أرباع سنوية ماضية).
| المميزات | العيوب |
|---|---|
| يعتمد على أرقام وحقائق مثبتة ومدققة في القوائم المالية. | ينظر إلى الماضي ولا يعكس بالضرورة مستقبل الشركة. |
| سهل الحساب ومتوفر في كل منصات التداول. | قد يتأثر بأرباح استثنائية (مثل بيع أرض) لن تتكرر، مما يجعل السهم يبدو رخيصاً وهو ليس كذلك. |
2. مكرر الربحية المستقبلي (Forward P/E)
يعتمد هذا النوع على "توقعات" المحللين لأرباح الشركة في السنة القادمة، الأسواق المالية دائماً ما تسعر المستقبل، لذا يفضل المحترفون استخدام هذا المكرر.
| المميزات | العيوب |
|---|---|
| يعكس التوقعات المستقبلية للنمو أو التراجع. | يعتمد على تقديرات قد تكون خاطئة أو مفرطة في التفاؤل. |
| يساعد في اكتشاف الفرص قبل أن تظهر في النتائج الفعلية. | قد يتغير بشكل كبير إذا عدلت الشركة توقعاتها فجأة. |
نصيحة: قارن دائماً بين المكرر التاريخي والمستقبلي إذا كان المكرر المستقبلي أقل من التاريخي، فهذا يعني أن المحللين يتوقعون نمو أرباح الشركة (مؤشر إيجابي) أما إذا كان أعلى، فهذا يعني توقعات بانخفاض الأرباح (مؤشر سلبي).
كيف تعرف إذا كان السهم غالي أم رخيص؟
هذا هو جوهر الموضوع هل مكرر 15 يعتبر جيداً؟ هل مكرر 40 يعتبر غالياً جداً؟ الإجابة المختصرة هي: كل شيء نسبي الرقم المجرد لا يعني شيئاً دون وضعه في سياقه الصحيح للحكم على السهم، يجب عليك مقارنته بثلاثة معايير رئيسية.
أولاً: مقارنة الشركة بنفسها تاريخياً
انظر إلى تاريخ الشركة خلال السنوات الخمس الماضية إذا كان سهم "سابك" أو "الراجحي" يتداول عادة عند مكرر 18، واليوم يتداول عند مكرر 12 دون وجود مشاكل جوهرية في الشركة، فهذه إشارة قوية على أن السهم رخيص تاريخياً وفرصة للشراء والعكس صحيح، إذا كان يتداول عند مكرر 25 وهو عادة 18، فهو غالٍ.
ثانياً: مقارنة الشركة بمنافسيها في نفس القطاع
لا يصح أبداً مقارنة تفاحة ببرتقالة لا تقارن مكرر ربحية لشركة اتصالات بشركة إسمنت لكل قطاع طبيعته وهوامش ربحه ومعدلات نموه.
- قطاع التكنولوجيا: عادة ما يكون له مكررات مرتفعة (30 وأكثر) لأن المستثمرين يتوقعون نمواً هائلاً في المستقبل.
- قطاع البنوك: غالباً ما تكون مكرراته مستقرة ومتوسطة (بين 10 إلى 15).
- قطاع الصناعة والبتروكيماويات: له طبيعة خاصة جداً (دورية) سنشرحها لاحقاً.
مثال: إذا كان متوسط مكرر قطاع الأغذية هو 20 مرة، ووجدت شركة ألبان قوية تتداول بمكرر 15 مرة، فهذا مؤشر أولي على أنها رخيصة مقارنة بنظيراتها.
ثالثاً: معدل النمو المتوقع (The Growth Factor)
المستثمر الذكي يقبل بدفع مكرر مرتفع لشركة تنمو بسرعة، لكنه لا يقبل ذلك لشركة أرباحها ثابتة أو تتناقص هنا نستخدم معادلة متطورة قليلاً تسمى (PEG Ratio) أو مكرر الربحية إلى النمو.
لنفترض شركتين:
- الشركة (أ): مكررها 10، ونمو أرباحها السنوي 2%.
- الشركة (ب): مكررها 30، ونمو أرباحها السنوي 40%.
ظاهرياً، الشركة (أ) أرخص لكن فعلياً، الشركة (ب) أفضل بكثير لأن نموها يبرر سعرها المرتفع، القاعدة العامة تقول:
| نسبة PEG | التفسير |
|---|---|
| أقل من 1 | السهم يعتبر رخيصاً جداً مقارنة بنموه (فرصة شراء). |
| يساوي 1 | السهم مقيم بسعره العادل تماماً. |
| أكثر من 2 | السهم يعتبر غالياً ومبالغاً في سعره. |
خرافة "المكرر المنخفض دائماً أفضل" وفخ القيمة
من أخطر الأخطاء التي يقع فيها المستثمرون المبتدئون هو فرز الأسهم حسب "أقل مكرر ربحية" والشراء فوراً، معتقدين أنهم اكتشفوا كنزاً، في كثير من الأحيان، يكون السهم رخيصاً لسبب وجيه ومصيبة قادمة هذا ما يسمى بـ "فخ القيمة" (Value Trap).
لماذا قد يكون المكرر المنخفض (مثلاً 5 أو 6 مرات) علامة خطر؟
- أرباح غير متكررة: قد تكون الشركة حققت ربحاً ضخماً هذا العام فقط بسبب بيع أصل عقاري، وليس من نشاطها الأساسي، العام القادم ستختفي هذه الأرباح وسيقفز المكرر.
- تدهور الصناعة: السوق ذكي ويسبق الحدث، إذا انخفض سعر السهم بشدة (مما جعل المكرر ينخفض) لأن المستثمرين الكبار يعلمون أن هناك تشريعات جديدة أو منافسة شرسة ستدمر أرباح الشركة مستقبلاً.
- الديون المتراكمة: قد تكون الشركة رخيصة لأنها غارقة في الديون وتقترب من الإفلاس.
تنبيه هام: إذا رأيت سهماً بمكرر منخفض جداً بشكل شاذ عن باقي السوق، لا تفرح فوراً، ابحث عن "العلة"، نادراً ما يترك السوق "دولارات ملقاة على الأرض" دون سبب.
مكرر الربحية في الأسهم الدورية
الشركات التي تعتمد أرباحها على أسعار السلع العالمية (مثل شركات البتروكيماويات، الحديد، الأسمنت) تسمى شركات دورية التعامل مع مكرر الربحية هنا يكون معكوساً، وهو أمر يغفل عنه الكثيرون.
في الشركات الدورية:
- عندما يكون مكرر الربحية منخفضاً جداً: غالباً ما تكون هذه قمة الدورة (أسعار المنتجات في أعلى مستوياتها)، والأرباح ضخمة جداً هنا عادة ما يكون وقت البيع وليس الشراء، لأن الأسعار ستنخفض لاحقاً.
- عندما يكون مكرر الربحية مرتفعاً جداً: غالباً ما يكون هذا قاع الدورة (الأرباح منهارة بسبب انخفاض أسعار السلع) هنا يكون وقت الشراء، لأن الدورة ستنعكس والأرباح سترتفع مستقبلاً فينخفض المكرر.
العلاقة بين مكرر الربحية وأسعار الفائدة
لا يمكن الحديث عن تقييم الأسهم بمعزل عن الاقتصاد الكلي هناك علاقة عكسية قوية بين مكرر الربحية وأسعار الفائدة في البنوك المركزية.
| حالة الفائدة | تأثيرها على مكرر الربحية | السبب |
|---|---|---|
| فائدة منخفضة | توسع وارتفاع المكررات | عندما يكون العائد في البنك 1%، يرضى المستثمرون بعائد 4% من الأسهم (مكرر 25) الفائدة الرخيصة تدعم تقييمات أعلى. |
| فائدة مرتفعة | انكماش وانخفاض المكررات | عندما يعطيك البنك 5% خالية من المخاطر، لن تشتري أسهماً إلا إذا كانت رخيصة جداً وتعطي عائداً أعلى (مكرر 10-12). |
ملخص استراتيجي متى تشتري ومتى تبيع؟
بناءً على ما سبق، يمكننا تلخيص استراتيجية استخدام مكرر الربحية في نقاط عملية تساعدك في اتخاذ القرار:
- اشتري عندما يكون مكرر الربحية للشركة القوية مالياً أقل من متوسطها التاريخي وأقل من منافسيها.
- اشتري الشركات ذات المكرر المرتفع فقط إذا كان معدل نمو أرباحها (PEG) يبرر ذلك، وكانت تتمتع بميزة تنافسية قوية (خندق اقتصادي).
- تجنب الشركات ذات المكرر المنخفض جداً إذا كانت أرباحها تتناقص سنة بعد أخرى (فخ القيمة).
- تجنب الشركات التي ليس لديها مكرر ربحية (سالب)، لأن هذا يعني أنها تحقق خسائر، إلا إذا كنت مضارباً محترفاً تراهن على تحول جذري في الشركة.
ويظل مكرر الربحية (P/E Ratio) هو الملك بين أدوات التقييم المالي لسهولته وفعاليته، لكنه ليس أداة سحرية تخبرك بالمستقبل بدقة 100% المستثمر الناجح هو الذي يستخدم هذا المؤشر كجزء من صورة أكبر، يدمجه مع تحليل الديون، التدفقات النقدية، ونمو المبيعات.
تذكر دائماً أنك عندما تشتري سهماً، فأنت لا تشتري رمزاً يتحرك على الشاشة، بل تشتري حصة في مشروع تجاري حقيقي اسأل نفسك دائماً: هل سأقبل شراء هذا المشروع بالكامل بهذا السعر بناءً على أرباحه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فمكرر الربحية قد أعطاك الضوء الأخضر.
